ابن الأثير

568

أسد الغابة ( دار الفكر )

الكعبة ، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر ، فسبق سعيد عمارا - وكان أثبت الرجلين - فقتله ، وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه ، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف ، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا . فقال عكرمة : إن لم ينجني في البحر إلا إلا خلاص ما ينجيني في البر غيره ، اللَّهمّ لك عليّ عهد إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي في يده ، فلأجدنّه عفوّا كريما . قال : فجاء فأسلم . وأما عبد اللَّه بن سعد فإنه اختفى عند عثمان بن عفان ، فلما دعا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الناس للبيعة ، جاء به حتى وقفه على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللَّه ، بايع عبد اللَّه . فرفع رأسه فنظر إليه ، فعل ذلك ثلاثا ، ثم بايعه بعد الثلاث . ثم أقبل على أصحابه فقال : أما كان فيكم رجل رشيد فيقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله [ ( 1 ) ] . وقيل : إن زوجته أم حكيم بنت عمه الحارث بن هشام ، سارت إليه وهو باليمن بأمان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وكانت أسلمت قبله يوم الفتح ، فردّته إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فأسلم وحسن إسلامه [ ( 2 ) ] . وكان من صالحي المسلمين ، ولما رجع قام إليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاعتنقه ، وقال : مرحبا بالراكب المهاجر . ولما أسلم كان المسلمون يقولون : هذا ابن عدوّا للَّه أبى جهل ! فساءه ذلك ، فشكى إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم لأصحابه : « لا تسبوا أباه ، فإن سبّ الميت يؤذى الحىّ » . ونهاهم أن يقولوا : « عكرمة بن أبي جهل » . اللَّهمّ صل على محمد ، وعلى آل محمد ، فما أحسن هذا الخلق وأعظمه وأشرفه . ولما أسلم عكرمة قال : يا رسول اللَّه ، لا أدع ما لا أنفقت عليك إلا أنفقت في سبيل اللَّه مثله . واستعمله رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على صدقات هوازن عام حجّ . أخبرنا إبراهيم بن محمد وغير واحد بإسنادهم عن أبي عيسى الترمذي قال : حدثنا عيد ابن حميد وغير واحد قالوا : حدّثنا موسى بن مسعود ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن مصعب

--> [ ( 1 ) ] ينظر ترجمة عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح 2974 : 3 / 259 - 261 . [ ( 2 ) ] ذكر ذلك مصعب الزبيري في كتابه نسب قريش : 310 .